أبو الليث السمرقندي
205
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قال الكلبي : يعني تخرج البيضة ، وهي ميتة من الطير ، وهو حي ، وتخرج الطير الحي من البيضة الميتة ، وتخرج النطفة ، وهي ميتة من الإنسان الحي ، وتخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة ، وتخرج الحبة من السنبلة إلى آخره . وقال الحسن البصري : يخرج المؤمن من الكافر ، ويخرج الكافر من المؤمن . ويقال : يخرج الجاهل من العالم ، ويخرج العالم من الجاهل . وروى معمر عن الزهري ؛ أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دخل على بعض نسائه ، فإذا بامرأة حسنة الهيئة فقال : « من هذه ؟ » قالوا إحدى خالاتك . قال : « ومن هي ؟ » قالوا هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « سبحان الّذي يخرج الحيّ من الميّت » ، وكانت امرأة صالحة ، وكان أبوها كافرا . ثم قال تعالى : وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ يعني من غير أن تحاسب في الإعطاء ، فكأنه يقول : ليس فوقه من يحاسبه في الإعطاء . كما قال تعالى : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ويقال : من غير أن يحاسبه في الإعطاء . ويقال : بغير تقتير . ويقال : بغير حساب كما قال ويرزقه من حيث لا يحتسب . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 28 ] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 ) ثم قال تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ قال ابن عباس في رواية أبي صالح : نزلت في شأن المنافقين عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول وأصحابه من أهل النفاق ، وكانوا قد أظهروا الإيمان ، وكانوا يتولون اليهود في العون والنصرة ، ويأتونهم بالأخبار ، ويرجون أن يكون لهم ظفر على محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه وقال مقاتل : نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، ممن كانوا يظهرون المودة لكفار مكة ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك فقال : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ، فهذا نهي بلفظ المغايبة ، يعني لا يتخذونهم أولياء في العون والنصرة مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ يعني ليس في ولاية اللّه من شيء . ويقال : ليس في دين اللّه من شيء ، لأن ولي الكافر يكون راضيا بكفره ، ومن كان راضيا بكفره ، فهو كافر مثله كقوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ المائدة : 51 ] . ثم استثنى لما علم أن بعض المسلمين ، ربما يبتلون في أيدي الكفار فقال تعالى : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً . قرأ يعقوب الحضرمي تقية ، وقراءة العامة تقاة ، ومعناهما واحد ، يعني يرضيهم بلسانه ، وقلبه مطمئن الإيمان ، فلا إثم عليه كما قال اللّه تعالى في آية أخرى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] قرأ حمزة والكسائي تُقاةً بالإمالة . وقرأ الباقون بتفخيم الألف ثم قال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يعني يخوّفكم اللّه بعقوبته ، أي الذي يتخذ الكافر وليّا بغير ضرورة ، وهذا وعيد لهم . ويقال : إذا كان الوعيد مبهما ، فهو أشد ثم قال تعالى : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي مرجعكم في الآخرة ، فيجازيكم بأعمالكم .